primrose

أحلى صحبة
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 يوم خال من البريد الالكتروني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
tigergirl
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1335
تاريخ التسجيل : 23/02/2010
العمر : 35
الموقع : primrose.boardonly.com

مُساهمةموضوع: يوم خال من البريد الالكتروني   الأحد يونيو 06, 2010 9:16 am

يوم خالٍ من البريد الإلكتروني

ياسر سعيد حارب


كل يوم نذهب إلى أعمالنا ونحن في عجلة من أمرنا، نتسابق مع الكون كله لنصل إلى مكاتبنا ونحن محملون بالتوتر وارتفاع ضغط الدم وكأنه لا يكفينا اليوم الطويل الذي ينتظرنا خلف طاولات المكاتب. في كل صباح أركب في المصعد مع مجموعة من الناس الذين يلبسون بزات سوداء وفي أيديهم شيئان فقط، حقيبة سوداء وكوب قهوة يحتسونه كما يحتسي رجال الأعمال في وول ستريت قهوتهم كل صباح.


وفي كل صباح أرى وجوهاً مكفهرّة تريد أن تقتنع بأن ما تقوم به هو جزء من النظام العالمي الجديد القائم على مفهوم (عمل أكثر يعني إنتاجية أكثر) وفي المقابل يضرب هؤلاء بكل مفاهيم الحياة البسيطة عرض الحائط لا لشيء إلا ليبدوا في نظر أنفسهم رجال أعمال - بالرغم من كون بعضهم موظفين كادحين - كالذين يرونهم في أفلام هوليوود.


ما نراه في كل صباح لا يراه سكان مدينة "برا" التي تقع في شمال غرب إيطاليا، فقبل عدة سنوات قررت المدينة أن تنخرط في حملة تجتاح المدن الأوروبية واسمها "المدينة البطيئة" حيث يقوم مفهوم هذه الحملة على التصدي لمدّ المظاهر السلبية التي جلبتها العولمة إلى المجتمعات البشرية فغيرت ملامحها وحولتها إلى آلات متحركة جل همّها الإنتاجية والعمل المضني.


وحملة المدينة البطيئة هي امتداد لحملة أخرى بدأت عام 1989 وتسمى "الأكل البطيء" حيث ارتأى سكان مدينة روما الإيطالية أن مطعماً جديداً يسمى "ماكدونالدز" بدأ يقدم ليس فقط أنواعاً جديدة من الأكل، بل وأسلوباً جديداً في التقديم، فقرروا أن يقفوا إلى جانب مأكولاتهم الشعبية ومحاربة ثقافة "Big Mac" كما اصطلح على تسميتها حتى لا تتحول حياتهم إلى طوابير ووجبات سريعة تؤكل في المواصلات العامة وعلى عجل.


يقول القائمون على حملة المدينة البطيئة إن ما يقومون به لا يعارض السرعة أو استخدام التكنولوجيا والمدنية بشكل عام، بل على العكس، فهم يوظفون المدنية للعودة إلى الحياة الهادئة المريحة التي كان الناس يعيشونها قديماً، وباختصار، تهدف الحملة إلى جعل الإنسان يستمتع بكل ما يقوم به، ويعيش كل لحظة من لحظات يومه دون القلق على أي شيء ودون التفكير في كل شيء في الكون كما يفعل معظم الناس اليوم، بل على الإنسان أن يأكل ويشرب وهو يستمتع بكل لقمة يتناولها ويتفاعل مع كل منظر جميل يمر أمام ناظريه ويستنشق كل نسمة هواء تلفح وجهه لتتخلخل بين أضلعه وتصل إلى مشاعره التي أكل عليها الدهر وشرب.


في المدن البطيئة المنتشرة في العديد من الدول الأوروبية وفي "برا" بالتحديد يعمل المسؤولون على التقليل من الازدحام والتلوث والضجيج، وفي المقابل يعملون على زيادة المساحات الخضراء والممرات المخصصة للمشاة، كما يعمل المسؤولون على دعم المزارعين وأصحاب الصناعات المحلية لزيادة عدد المحلات والمطاعم التي تقدم كل ما هو محلّي ومن صنع السكان المحليين.


وفي "برا" يمنع دخول السيارات وفتح محلات البيع بالتجزئة (السوبر ماركت) كما تمنع لوحات الإعلانات الضخمة، وفي المقابل تستبدل هذه المحلات بالمحلات التي تديرها أسر المنطقة التي تلقى دعماً من الحكومة، فهناك محلات للحم والقماش ووسطاء للعقارات وغير ذلك من خدمات، وفي مدارس "برا" يعطى الأطفال طعاماً عضوياً organic food من فواكه وخضروات زرعت وحصدت وبيعت بأيدي أهالي المدينة.


وفي "برا" إلى جانب الحفاظ على تراث وأصالة المدينة تستخدم الحكومة أحدث التقنيات لإيصال الناس (بسرعة) إلى أعمالهم ولكن دون الإخلال بتوازن الحياة، فهناك الحافلات التي تعمل على الكهرباء ودون إزعاج، كما أن المدينة مزودة بشبكة إنترنت من أقصاها إلى أقصاها حتى تساعد الناس على التعامل مع الحياة من حولهم والاستفادة من العولمة ولكن بصورة أقل توتراً و أكثر حيوية، وفي هذا الصدد يقول أحد المسؤولين في المدينة: "كوننا مدينة بطيئة لا يعني أننا نعيش في متحف، بل على العكس، نحن نسعى إلى تحقيق توازن بين المدنية والحياة السعيدة.


واليوم تعد "برا" من أكثر المدن الإيطالية نمواً، فأرباح محلات التجزئة في نمو مطرد، ومهرجانات الأطعمة المحلية تحظى بإقبال سياحي منقطع النظير، والبطالة في أدنى مستوياتها. أما الشباب فإنهم يمرحون ولكن بتعقل وهدوء، وبدلاً من أن يسهروا على قرع الطبول والموسيقى الصاخبة أصبحوا يسهرون على الموسيقى التي يحبونها ولكن دون إزعاج للغير أو تسفيه لأنفسهم.


وفي لندن قام مجموعة من الشباب بتأسيس جمعية أطلقوا عليها اسم "لندن البطيئة" تقوم على توعية الناس في عاصمة الضباب بقيمة الحياة وجمالها، وتحذيرهم من عدم إضاعتها في الجري اليومي للحاق بالمترو أو الحافلة، وأن الصباح هو أجمل وقت في اليوم وأن الاختلاط بالناس والابتسام لهم في الشارع وفي المحطات هو من جماليات الحياة، وأنه ليس عليهم أن يهربوا إلى الريف حتى يشعروا بالراحة، فالمدينة مكان جميل للعيش، والراحة الحقيقية تقبع في النفس ولكن على الإنسان أن يتوقف للحظة ويستدرك حياته التي تتحكم فيها الهواتف النقالة والكمبيوترات المحمولة والقلق الدائم على المستقبل.


وفي كل شهر تخصص الجمعية يوم الأربعاء من الأسبوع الثاني ليكون "يوماً بطيئاً" حيث يقوم الأعضاء الذين يبلغ عددهم 80 ألف شخص بالتسكع في شوارع المدينة دون الشعور بأنهم قد ضيّعوا أوقاتهم، ثم يستلقون على إحدى المساحات الخضراء، ثم يصعدون على أي سلم في المدينة ولكن خطوة خطوة، ومن ثم يتناولون وجبة في إحدى الحدائق العامة، ثم يجلسون صامتين لبعض الوقت، ثم يذهبون لاستكشاف جزء جديد من المدينة، وفي آخر اليوم على كل عضو أن يخبر شخصاً ما عن الجمعية... كل هذا دون أن يحمل الأعضاء هواتف نقالة أو حتى ساعات حتى لا يشعروا بوطأة الوقت.


كما يمكن للعضو أن يقوم بكل هذه الأنشطة وحده إذا أراد، فأعضاء الجمعية يؤمنون بالحقيقة العلمية التي تقول بأنه كلما زاد استرخاء الإنسان تدفقت الأفكار إلى دماغه. واليوم بدأت هذه الحملة باستقطاب الناس من سيدني وحتى كاليفورنيا، فكل من يسمع عنها يكتشف أنه يعيش على هامش الحياة وأن الأيام تمضي أمام ناظريه آخذة معها أجمل لحظات حياته.


لماذا يعشش هوس السرعة في نفوسنا؟ وماذا ستقدم لنا تلك الثواني التي نخاطر بحياتنا وحياة الآخرين فيها عندما نقطع الإشارة الحمراء في الصباح الباكر؟ ولماذا يكون النظر إلى الساعة هو أول شيء نقوم به عندما نستيقظ؟ ولماذا نشعر بأن لدينا الكثير لنعمله في وقت قليل جداً؟ ولماذا نحن مشغولون في البيت ومشغولون في العمل ومشغولون في الطريق من البيت إلى العمل؟


لقد أنستنا الثقافة العالمية إن صح التعبير متى نتوقف عن اللهث وراء إنجاز كل شيء بسرعة حتى نسبق الآخرين ونتفوق عليهم... لاشك أن المنافسة أمر محمود، ولكن أن تسلخنا هذه المنافسة من إنسانيتنا وتحولنا إلى آلات همها أن تعمل منذ طلوع الشمس وحتى الغروب هو أمر يدعونا إلى البحث عن زر التوقف والضغط عليه بكل ما أوتينا من قوة.


إحدى شركات التكنولوجيا أعلنت يوم الجمعة من كل أسبوع يوماً خالياً من البريد الإلكتروني حيث يمنع جميع الموظفين من الوصول إليه وكانت النتيجة أن أصبح هذا اليوم هو أكثر أيام الأسبوع إنتاجية، وقديماً قال روجر بابسون "إذا أردنا أن نسعد بالمستقبل فعلينا أن نستمتع
بالحاضر".

_________________
رسائِلُ الصّباحْ .. لها في القلبِ وقعٌ آخر ♥️

[/b][/u]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://primrose.boardonly.com
 
يوم خال من البريد الالكتروني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
primrose :: المنتديات العامة :: آخر الأخبار-
انتقل الى: